السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)

178

رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم

--> على الدوام سيشاهد الكثرة ويغفل عن مشاهدة الوحدة ، فتكون الكثرة حاجباً عن الوحدة . فإن هو سار في السلوك العلميّ ، وتحرّك من الآثار باحثاً عن المؤثِّر ، ومن الموجودات مفتّشاً عن الصانع ، فإنّ الكثرات ستضمحلّ شيئاً فشيئاً وتتبدّل بالوحدة الصرفة الحقّة الحقيقيّة ، بحيث إنّه لن يشاهد الكثرة أبداً ولا ينظر أعيان الموجودات ، ولا يرى شيئاً غير الوحدة ، فتكون الوحدة آنذاك حجاباً عن الكثرة ، ويستغرق السالك في مشاهدتها عن مشاهدة الكثرة . ومنزلة هذا المنزل في السلوك الحالي بمنزلة السفر الأوّل للسالك العارف ، الذي ذكره المولى صدرا في كتابه . وهو السفر من الخلق إلى الحقّ ؛ أي : من الكثرة إلى الوحدة . وحين يصل إلى عالم الوحدة ويُحجب عن مشاهدة الكثرة ، فإنّه يستدلّ بذات الحقّ بالسلوك العلميّ في أوصاف الحقّ وأسمائه وأفعاله مرتبةً بعد مرتبة ؛ وهذه المرتبة بمنزلة السفر الثاني في السلوك الحالي ، وهو السفر في الحقّ بالحقّ . أمّا في الحقّ ، فلكَون هذا السفر في صفات الحقّ وأسمائه وخواصّه . وأمّا كونه بالحقّ ، فلأنّ السالك حينئذٍ متحقّق بحقيقة الحقّ ، وخارجٌ عن إنّيّته وإنّيّة جميع الكثرات والأعيان ، فانٍ في ذاته وصفاته وأسمائه . ويحصل كثيراً في هذا المقام أن ينشرح صدر السالك وتنحلّ عقدة لسانه ، فيرى الوحدة في الكثرة ، والكثرةَ في الوحدة ، دون أن يحجب أحدهما الآخر ، ويكون السالك جامعاً لكلا النشأتَين ، وبرزخاً بين /